أحمد بن يحيى العمري

149

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وفيها ، كان حصار الفرنج عكّا كان قد اجتمع بصور أهل البلاد التي أخذها السلطان بالأمان فكثر ( 98 ) جمعهم حتى صاروا في عدد لا يحصى ، وأرسلوا إلى البحر يبكون ويستنجدون ، وصوروا المسيح وصوروا [ عربيا ] « 1 » يضرب المسيح وقد أدماه ، وقالوا : هذا نبي العرب يضرب المسيح فخرجت النساء من بيوتهن ، ووصل من البحر عالم لا يحصى كثرة وساروا من صور إلى عكّا ونازلوها في منتصف رجب هذه السنة ، وضايقوا عكّا وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر ، ولم يبق للمسلمين إليها طريق ، فسار السلطان ونزل قريب الفرنج وقاتلهم في مستهل شعبان وباتوا على ذلك وأصبحوا ، وحمل تقي الدين عمر صاحب حماة من ميمنة السلطان على الفرنج فأزالهم عن موقعهم والتزق بالسور وانفتح الطريق إلى المدينة فأدخل السلطان إلى عكّا عسكرا نجدة ، وكان من جملتهم أبو الهيجاء السّمين ، وبقي المسلمون يغادون القتال ويراوحونه إلى عشري شعبان ، ثم كان بين المسلمين وبينهم الوقعة العظيمة ، فإن الفرنج اجتمعوا وحملوا على السلطان في القلب فأزالوه عن موقفه ، وأخذ الفرنج يقتلون المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان فانحاز السلطان هو وخاصته إلى جانب وانقطع مدد الفرنج واشتغلوا بقتال الميمنة ، فحمل السلطان على الفرنج الذين خرقوا الميمنة وعطف الجيش عليهم وأفنوهم قتلا ، فقتل في ذلك الوقت من الفرنج قريب الثلاثين ألفا « 2 » . ووصل المنهزمون من المسلمين بعضهم إلى طبرية وبعضهم إلى دمشق ( 99 ) وجافت الأرض بعد هذه الوقعة ، ولحق السلطان مرض القولنج وأشار عليه الأمراء بالانتقال من ذلك الوضع فوافقهم ورحل عن عكّا رابع عشر رمضان هذه السنة

--> ( 1 ) : في الأصل : عربي . ( 2 ) : في ( أبو الفدا 3 / 77 ) : فكانت قتلى الفرنج نحو عشرة آلاف نفس .